مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

265

تفسير مقتنيات الدرر

الوليّ فعرّفه سبحانه بقوله : * ( [ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ] ) * وعن النّبيّ صلى اللَّه عليه وآله : هم الَّذين يذكر اللَّه برؤيتهم . والسبب فيه أنّ مشاهدتهم تذكّر أمر الآخرة لما يشاهد منهم من الخشوع والخضوع كما قال سبحانه : « سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » « 1 » . قال أبو بكر الأصمّ : أولياء اللَّه هم الَّذين تولَّى اللَّه هدايتهم باليقين وتولَّوا القيام بحقّ عبوديّة اللَّه والدعوة إليه . وظهر في علم الاشتقاق أنّ تركيب الواو واللَّام والياء تدلّ على القرب فوليّ كلّ شيء هو الَّذي يكون قريبا منه والقرب من اللَّه بالمكان والجهة محال فالقرب منه إنّما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة اللَّه فإن رأى دلائل معرفة اللَّه ، وإن سمع سمع آيات اللَّه ، وإن نطق نطق بالثناء على اللَّه ، وإن تحرّك تحرّك في خدمة اللَّه فهنالك يكون هذا الإنسان في غاية القرب من اللَّه ويكون وليّ اللَّه وإذا كان كذلك كان اللَّه وليّه كما قال سبحانه : « اللَّه ُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » « 2 » والقرب لا يحصل إلَّا من الجانبين . وقال المتكلَّمون : وليّ اللَّه من يكون بالاعتقاد الصحيح المبنيّ على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة . وبالجملة فهؤلاء * ( [ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ] ) * لأنّ الخوف إنّما يكون في المستقبل والحزن إنّما يكون على الماضي إمّا لأجل أنّه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنّه فاته شيء أحبّه . وليس المراد أنّ الأولياء لا يلحقهم في الدنيا خوف وحزن ، بل المراد في الآخرة لأنّ المؤمن وإن صفا عيشه في الدنيا فإنّه لا يخلو من همّ بأمر الآخرة شديد وحزن على ما يفوته في القيام بطاعة اللَّه ، وقلَّما يتّفق أن يكون المؤمن خاليا من قلَّة أو ذلَّة أو علَّة كما في الحديث : الدنيا سجن المؤمن . قال ابن عطا : بين العبد والربّ بحران عميقان : أحدهما بحر النجاة وهو القرآن والآخر بحر الهلاك وهو الدنيا فمن ركن إليها هلك ، ليذهب بلال الحبشيّ بالتاج والحلية إلى الفردوس ويذهب بمولاه صاحب الطيلسان الحرير اميّة بن خلف بالأنكال والحديد و

--> ( 1 ) الفتح : 29 . ( 2 ) البقرة : 258 .